U3F1ZWV6ZTE5OTY3NjY2NDk0NjMxX0ZyZWUxMjU5NzMzMDY0NjAwNQ==

حوار مع القدس | الكاتبة دعاء عسقلاني

أتذكر جيدًا تلك الليلة حينما كنت أسير وحيدًا في إحدى شوارع المدينة الخالية نتيجة لهطول المطر الشديد، و فجأة اصطدمت بشيء لم أعلم ماهيته ليجعلني أسقط مغشيًا عليّ، و حين أفقت وقفت مدهوشًا فقد وجدت نفسي في مكان غريب لكنه كان قمة في الجمال، إزدادت دهشتي و فضولي حينما صوتًا أنثويًا رقيقًا يعتليه نبرة الحزن، فسرت نحو ذلك الصوت لأجدها فتاة لم أرى بجمالها قط، كانت تبكي بحرقة فدنوت منها سائلًا بهدوء : ما بكِ و لما الحزن !

أجابتني بصوت حزين : أنا فتاة ضاعت زهرة شبابها ؛ نتيجة تدنيس أجنبي محتلٍ، و تخاذل و صمت جميع من أدعوا أخوتها، أنا عروس دفنت ليلة زفافها، أنا طفلة لم تتم ربيعها السادس سُلِبت حياتها في غمضة عين، أنا أم غطت بالتراب جميع أبنائها لأنهم فقط حاولوا الدفاع عنها، تنهدت بشدة متابعة : بإختصار أنا القدس .

أشتد حزني لكلماتها و حاولت رسم شبح إبتسامة على شفتي لأقول مواسيًا : لا تحزني يا قدسي، فنحن هنا معكِ .

إبتسمت لتقول ساخرة بألم : أنت تكذب لستم كذلك، فأين كنتم حينما أغتصبت على مرئ و مسمع العالم بأثره، ألستم أخوتي لما تركتموني أقاسي ظلم العالم و خذلانكم وحيدة ...

نطقت كلماتها التى أستنفذت ما تبقى من طاقتها لتكمل بكاءها في صمت، و بحركة لا أرادية وقفت لأذهب مبتعدًا عنها .

رفعت رأسها راسمة على وجهها إبتسامة يشوبها الألم لتقول : ها أنت ذا سترحل كما فعل الباقون ...

أجبتها بكل ثقة : أعلم أننا أخطأنا حينما تركنانكِ وحيدة و لن أبرر بأنه لم يكن بيدنا مساعدتكِ، بل كنا نستطيع إنجادكِ لكننا تخاذلنا عن فعل ذلك، أتعلمين قد زرعوا في أفكارنا بأن صلاح الدين سيعود مجددُا ليحرركِ و ما علينا سوى إنتظاره، جميعنا ننتظر صلاح الدين و هو لن يأتى، بعيدًا عن ذلك ثقي يا قدس بأن ذهابنا و تركنا لكِ مؤقت سنعود يومُا لنحرركِ، و إلى ذلك الوقت أعلم جيدًا بأنكِ شامخة قوية لن يستطيعوا إركاعكِ أبدًا، هيا قومي الآن و أنفضي عنكِ ذلك الحزن و الألم فلا يليق بعظيمة مثلكِ نظرة الإنكسار أبدًا، يا قدس سنعود قريبًا لتحريركِ ... و سيكون ذلك قريبًا جدًا .


تعليقات
ليست هناك تعليقات
الاسمبريد إلكترونيرسالة