U3F1ZWV6ZTE5OTY3NjY2NDk0NjMxX0ZyZWUxMjU5NzMzMDY0NjAwNQ==

مودة و رحمة | الكاتب يوسف الدموكي

مودة و رحمة 

مودة و رحمة | الكاتب يوسف الدموكي 

 لماذا قال ﷲ مودة ورحمة و لم يقل شوقًا وحبًا مثًلا..؟


بالوقوف عند الآية المعجِزة الموجِزة نفسها، يبقى السؤال العالق: لماذا قال الله مودة ورحمة ولم يقل شوقا وحبا مثًلا، ولماذا مودة ورحمة بالتحديد دون بقية الصفات؟

..

ولأن بعض القرآن يفسر بعضه، وجدت الصفتين مترافقتين في الآية التسعين من سورة هود؛ "واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود"، وكنا قد تعودنا في آيات الاستغفار والتوبة أن تُختَم بذكر العفو أو المغفرة أو الرحمة، لكن هنا جاءت صفة "الودود" مقترنةً بـ"الرحيم"، لتدل ربما على شمولها لكل هذا، وجاءت بعد كلمة "إن ربي"، و"إن ربي" ستجدها تُذكر دائما في مواضع لطف الله بعباده ورفقه بهم، "إن ربي لطيف لما يشاء" "إن ربي قريب مجيب" "إن ربي لسميع الدعاء" "إن معي ربي سيهدين".

..

وجاءت مع الرحيم في آيةٍ للتوبة، ولم تتوقف عند رحمة الله أو مغفرته، وإنما وصلت إلى ود الله عز وجل، كأن شيئا لم يكن، وكأن عاصيا لم يعصِ، وكأنك كيوم ولدتك أمك نقيٌّ تماما، وجاءت متلازمة لياء النسب المحببة، "إن ربي"، وهي كما رأينا وردت في كل ما نستشعر منه لطف الله وحسن الظن به، فكانت الصفة محببةً إلى الخالق والمخلوق في آن واحد.

..

وفي المرة الثانية جاءت في سورة البروج "إنه هو يبدئ ويعيد، وهو الغفور الودود"، ولم تُذكَر صفة الودود بشكلها هذا في القرآن إلا بهذين الموضعين. فاقترن ود الله بصفتين مترافقتين، لم تفترقا إلا لحساب صفةٍ واحدة أتت مرة واحدة بعد كل منهما، لتكون أقصى المغفرة تارة، وأقصى الرحمة تارة. والمشترك في الآيتين أنهما جاءتا لتدشين بدايةٍ جديدة، ولما كانت بدايةً جديدة فكان لازمًا من أجلها صفة "الود". وهذا يتفق مع ما ورد في آية الزواج "خلق لكم من أنفسكم أزواجا"، كأن الزواج خلق جديد، وميلاد لطرفيه، وبداية حياة.

..

ومن الصفتين "رحيم ودود"، أتى الله بمصدرهما لعباده وجعلهما بينهم، فقال: "وجعل بينكم مودةً ورحمة"، صفتين اقترنتا لله من عبده شعيب، فقرنهما الله لعباده أحفاد شعيب عليه السلام، ومن مودة الله ورحمته أنه لم يجعل بين الزوجين صفتين مما تعلق به العباد أنفسهم مثل الحب والشوق، فكان زوالهما أسرع، وكان بقاؤهما أصعب، وإنما اختص علاقة الزواج المقدسة بصفتين قدسيتين اختص بهما نفسه، كأن الزواج حبلٌ ممدودٌ من الأرض إلى السماء، من العباد إلى المعبود، من الخلق إلى الخالق، وهما في مودةٍ ورحمةٍ من الله ما داما يعرفان الله الرحيم الودود.

..

وذُكر حب الله لعباده وحبهم له في مواضع أخرى، لكن لم يأت الحب كصفةٍ شاملة، وإنما كبابٍ من أبواب الود، وإن كان الحب في كل أمر حتى قيل إن من الحب ما قتل، فإن الود لا يكون إلا في أبواب الخير، فمن الود ما أحيا. وذلك أن الود هو الحب بدليل، وليس المخنوق في القلب فقط، وإنما ذلك المقرون بالفعل الدال عليه. والزواج هو أوسع باب للحب المثبت بالأدلة والبراهين.

..

وكان أعظم ما يكافئ الله به عباده من قيمةٍ معنويةٍ هي الآتية في الآية "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وُدا". والعجيب هنا أيضا أن الله لم يقل "سيخلق لهم" وإنما قال "سيجعل لهم"، متفقا مع ما جاء في آية الزواج "وجعل بينكم مودةً ورحمة".

..

إن في ذلك لآياتٍ لقوم يتفكرون.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
الاسمبريد إلكترونيرسالة