كان يسير والمياه تقطر منه، يتلفت من حوله في رعب كـمَن خرج من الأجداث لتوه، تنفسه يضطرب شيئًا فشيئًا حتى تكاد تسمع طنين خفقاته، لم أتعجب من هيئته بل عذرته لهول ما قد رأى فأنا عشت لحظات مثله منذ عدة أعوام؛ عندما تراهنت مع رفاقي للعبث مع شيطان النفق لتحل اللعنة بعدها حتى صار الشاب منا عجوز القلب..
ظللت أراقب خطاه المتعثرة من بعيد لتسوقه قدماه لمرآة صغيرة وُضعت إلى جوار مقعد المحطة، فإذا به يهوى بها على يده فيسيل دمه مُطلقًا العنان لحشرجات صوته ودقات الموت تعزف سيمفونية صاخبة برأسه، فلم أتحمل بشاعة المشهد لأحرر هذا البائس بطلق النار في أعلى رأسه. ثم نظرت إليّ في زجاج الجدران وانعكاس الأرضية لأجد فقط السقف ولا وجود لي؛ فأنا مت منذ سنوات ولكن هذا المشهد البأس يعيد نفسه مرارًا بعقلي، محتجز أنا في جسد لا روح فيه مفرعا منى طيف يسري ويسير بين المارة ويأتي ليلًا ليعيد حادث ممر 25 في سخرية أمامي.
سمعت أصواتًا قادمة من بعيد حولت بصري نحوهم يا إلهي أنهم لوليمة كبيرة ستنهلل أسارير صديقي عن رؤيتهم لكن مهلا أين هو الآن يبدو أنه غادرني منذ زمن لا يهم فلا أريد رفقة اليوم؛ لكن مهلا هذا الشاب النحيل من بين ثلاثتهم يشبه صديقي الذي لاقي حتفه مشنوقا بإحدى تلك الأعمدة والثاني الطويل ذو الشعر الأجعد يحمل لوحًا خشبيًا وبعض الأسلاك، إنه الثالث الذي وجدته الشرطة نافقًا بين أكوام الخردة مقيدًا بهم؛ لكن لمَ يعيد التاريخ نفسه وكأنها سلسلة من جحيم غير منتهي حيث الرعب كعَرض لا ينتهي.


تعليقات